الشيخ الطبرسي
145
تفسير مجمع البيان
إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويخلوا ديارهم ، ولكن لينفر إليه من كل ناحية طائفة ، لتسمع كلامه ، وتتعلم الدين منه ، ثم ترجع إلى قومها ، فتبين لهم ذلك ، وتنذرهم ، عن الجبائي قال : والمراد بالنفر هنا : الخروج لطلب العلم ، وإنما سمي ذلك نفرا لما فيه من مجاهدة أعداء الدين . قال القاضي أبو عاصم : وفي هذا دليل على اختصاص الغربة بالتفقه ، وأن الانسان يتفقه في الغربة ما لا يمكنه ذلك في الوطن . ثم بين سبحانه ما يجب تقديمه ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ) أي : قاتلوا من قرب منكم من الكفار ، الأقرب منهم فالأقرب ، في النسب والدار . وقال الحسن : كان هذا قبل الأمر بقتال المشركين كافة . وقال غيره : هذا الحكم قائم الآن لأنه لا ينبغي لأهل كل بلد ان يخرجوا إلى قتال الأبعد ، ويدعوا الأقرب والأدنى ، لأن ذلك يؤدي إلى الضرر ، وربما يمنعهم ذلك عن المضي في وجهتهم ، إلا أن يكون بينهم وبين الأقرب موادعة ، فلا بأس حينئذ بمجاوزة الأقرب إلى الأبعد ، على ما يراه المتولي لأمور المسلمين . ولو قال سبحانه : قاتلوا الأبعد فالأبعد ، لكان لا يصح ، لأنه لا حد للأبعد يبتدئ منه ، كما للأقرب ، وفي هذا دلالة على أنه يجب على أهل كل ثغر الدفاع عن أنفسهم إذا خافوا على بيضة الاسلام ، وإن لم يكن هناك إمام عادل . وقال ابن عباس : أمروا أن يقاتلوا الأدنى فالأدنى من عدوهم ، مثل قريظة ، والنضير ، وخيبر ، وفدك . وقال ابن عمر : إنهم الروم ، لأنهم سكان الشام ، والشام أقرب إلى المدينة من العراق ، وكان الحسن إذا سئل عن قتال الروم ، والترك ، والديلم : تلا هذه الآية ( وليجدوا فيكم غلظة ) أي : شجاعة ، عن ابن عباس . وقيل : شدة ، عن مجاهد . وقيل : صبرا على الجهاد ، عن الحسن . والمعنى : وليحسوا منكم بضد اللين ، وخلاف الرقة ، وهو العنف والشدة ، ليكون زجرا لهم . ( واعلموا أن الله مع المتقين ) عن الشرك أي : معينهم وناصرهم ، ومن كان الله ناصره لم يغلبه أحد ، فأما إذا نصره سبحانه بالحجة ، فإنه يجوز أن يغلب بالحرب لضرب من المحنة ، وشدة التكليف . ثم عاد الكلام إلى ذكر المنافقين ، فقال سبحانه : ( وإذا ما أنزلت سورة ) في القرآن ( فمنهم ) أي : من المنافقين ( من يقول ) على وجه الانكار أي : يقول بعضهم لبعض ( أيكم زادته هذه ) السورة ( إيمانا ) وقيل : معناه يقول المنافقون للمؤمنين الذين في إيمانهم ضعف : أيكم زادته